محمد عبد الله دراز

302

دستور الأخلاق في القرآن

للحيوانات غير المستأنسة ، الّتي أصبحت بالترويض طيعة مستأنسة ، بعد أن كانت متوحشة متمردة ، فكيف لا يكون لدينا سلطان مباشر ، أو غير مباشر على طباعنا الخاصة ، كيما نغيرها إلى خير ، أو شر ؟ . . ألا تنطوي أعماق هذا الحكم المتشائم على مقدمة متسرعة ، ودليل بليد ؟ . . فقد أعتقد العقلاء ، في كلّ زمان - على عكس ذلك - في فاعلية الجهد الّذي نستطيع أن نمارسه على ذواتنا ، ويبدو أيضا أنّ التّجربة تؤكد إمكان التّحويل ، المتفاوت في درجة عمقه . ويبدو كذلك أنّ القرآن يعترف من جانبه بهذه القدرة المزدوجة ، الّتي أوتيها الإنسان ، على أن يطهر كيانه الجواني ، ويحسنه ، أو يعميه ويفسده ، يقول الحقّ سبحانه : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 1 » . ولنكن أقل طموحا ، ولنقرر - في الحقيقة - أنّ بعض عناصر طبعنا الأخلاقي تعصي على كلّ تطور ، أو تقدم ، بيد أنّ هذا الجزء ، ما كان له بداهة أن يكون موضوع التّكليف ، أو المسؤولية . فقد يكون المرء - بطبيعته - حزينا ، أو فرحا ، متشائما ، أو متفائلا ، بليدا ، أو حساسا ، دون أن يكون - لهذا - لا أخلاقيا . والإنسان ليس مسؤولا عن شذوذه النّفساني ، أكثر من مسؤولية العليل عن عيوبه الجسمية . وأخيرا ، وفي نطاق الفرض القائل : بأنّ جزءا من طبيعتنا يظل - مطلقا - عصيا على كلّ تعديل - يجب أن نفرق بين المطالب الّتي توحي بها ميولنا الفطرية ،

--> ( 1 ) الشّمس : 7 - 10 .